أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
379
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : أَنْ تُؤَدُّوا : منصوب المحل : أما على إسقاط حرف الجر لأن حذفه يطرد مع « أن » إذا أمن اللبس لطولهما بالصلة وأما لأن « أمر » يتعدى إلى الثاني بنفسه نحو : « أمرتك الخير » فعلى الأول يجري الخلاف في محلها أهي في محل نصب أم جر . وعلى الثاني : هي في محل نصب فقط وقرىء « 1 » الأمانة . والظاهر أن قوله : « أَنْ تَحْكُمُوا » معطوف على « أَنْ تُؤَدُّوا » أي : يأمركم بتأدية الأمانات وبالحكم بالعدل فيكون قد فصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف وهي مسألة خلاف : ذهب الفارسي إلى منعها إلا أن الشعر وذهب غيره إلى جوازها مطلقا ولننقح محل الخلاف . أولا فالقول : أن حرف العطف إذا كان على حرف واحد كالواو والفاء : هل يجوز أن يفصل بينه وبين ما عطفه بالظرف وشبهه أم لا ؟ ذهب الفارسي إلى منعه مستدلا بأنه إذا كان على حرف واحد فقد ضعف فلا يتوسط بينه وبين ما عطفه شيء إلا في ضرورة كقوله : 1601 - يوما تراها كشبه أردية ال * عضب ويوما أديمها نغلا « 2 » تقديره : « وترى أديمها نغلا يوما » ففصل ب « يوما » وذهب غيره إلى جوازه مستدلا بقوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً « 3 » فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ « 4 » وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا « 5 » اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ « 6 » أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ الآية . وقال صاحب هذا القول : أن المعطوف عليه إذا كان مجرورا بحرف أعيد ذلك الحرف مع المعطوف نحو : « امرر بزيد وغدا بعمرو » وهذه الشواهد لا دليل فيها أما « فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً » وقوله : « وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا » فلأنه عطف شيئين على شيئين : عطف الآخرة على الدنيا بإعادة الخافض وعطف « حَسَنَةً » الثانية على « حَسَنَةً » الأولى . وكذلك عطّف « مِنْ خَلْفِهِمْ » على « مِنْ بَيْنِ » وسدا على « سَدًّا » وكذلك البيت عطف فيه « أديمها » على المفعول الأول ل « تراها » و « نغلا » على الثاني وهو كشبه و « يوما » الثاني على « يوما » الأول فلا فصل فيه حينئذ وحينئذ يقال : ينبغي لأبي علي أن يمنع مطلقا ولا يستثني الضرورة فإن ما أستشهد به مؤول على ما ذكرت . فإن قيل : إنما لم يجعله أبو علي من ذلك لأنه يؤدي إلى تخصيص الظرف الثاني بما وقع في الأول وهو أنه تراها كشبه أردية العضب في اليوم الأول والثاني لأن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه فهو نظير قولك : « ضربت زيدا يوم
--> ( 1 ) انظر البحر ( 2 / 277 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 201 ) . ( 4 ) سورة هود ، الآية ( 71 ) . ( 5 ) سورة يس ، الآية ( 9 ) . ( 6 ) سورة الطلاق ، الآية ( 12 ) .